عبد الرحمن بن ناصر السعدي
252
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
وهو أصدق المخبرين . وقد أقام على ذلك ، من الحجج والبراهين . ما يجعله حق اليقين . ولكن أبى الظالمون إلا جحودا ، وأنكروا قدرة الله على بعث الخلائق ، فأوضعوا في معاصيه ، وتجرأوا على الكفر به ، فخسروا دنياهم وأخراهم . ولهذا قال : * ( الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ) * . * ( وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم * قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين * قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين * وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير * وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير * قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي ه ذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إل ه واحد وإنني بريء مما تشركون * الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ) * اعلم أن هذه السورة الكريمة ، قد اشتملت على تقرير التوحيد ، بكل دليل عقلي ، ونقلي . بل كادت أن تكون كلها ، في شأن التوحيد ، ومجادلة المشركين بالله ، المكذبين لرسوله . فهذه الآيات ، ذكر الله فيها ، ما يتبين به الهدى ، وينقمع به الشرك . فذكر أن * ( له ) * تعالى * ( ما سكن في الليل والنهار ) * . وذلك هو المخلوقات كلها ، من آدميها ، وجنها ، وملائكتها ، وحيواناتها وجماداتها . فالكل خلق مدبرون ، وعبيد مسخرون لربهم العظيم ، القاهر المالك . فهل يصح في عقل ونقل ، أن يعبد من هؤلاء المماليك ، الذي لا نفع عنده ولا ضر ؟ ويترك الإخلاص للخالق ، المدبر المالك ، الضار النافع ؟ أم العقول السليمة ، والفطر المستقيمة ، تدعو إلى إخلاص العبادة ، والحب ، والخوف ، والرجاء لله رب العالمين ؟ * ( السميع ) * لجميع الأصوات ، على اختلاف اللغات ، بتفنن الحاجات . * ( العليم ) * بما كان ، وما يكون ، وما لم يكن ، لو كان كيف كان يكون ، المطلع على الظواهر والبواطن ؟ * ( قل ) * لهؤلاء المشركين بالله : * ( أغير الله أتخذ وليا ) * من هؤلاء المخلوقات العاجزة ، يتولاني ، وينصرني ؟ فلا أتخذ من دونه تعالى وليا لأنه ، فاطر السماوات والأرض ، أي : خالقهما ومدبرهما . * ( وهو يطعم ولا يطعم ) * أي : وهو الرازاق لجميع الخلق ، عن غير حاجة منه تعالى إليهم . فكيف يليق أن أتخذ وليا غير الخالق الرازق ، الغني ، الحميد ؟ * ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) * لله بالتوحيد ، وانقاد له بالطاعة . لأني أولى من غيري ، بامتثال أوامر ربي . * ( ولا تكونن من المشركين ) * أي : ونهيت أيضا ، عن أن أكون من المشركين ، لا في اعتقادهم ، ولا في مجالستهم ، ولا في الاجتماع بهم ، فهذا أفرض الفروض علي ، وأوجب الواجبات . * ( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) * فإن المعصية في الشرك ، توجب الخلود في النار ، وسخط الجبار . وذلك اليوم ، هو اليوم الذي يخاف عذابه ، ويحذر عقابه ؛ لأنه من صرف عنه العذاب يومئذ ، فهو المرحوم ، ومن نجا فيه ، فهو الفائز حقا . كما أن من لم ينج منه ، فهو الهالك الشقي . ومن أدلة توحيده ، أنه تعالى ، المنفرد بكشف الضراء ، وجلب الخير والسراء . ولهذا قال : * ( وإن يمسسك الله بضر ) * من فقر ، أو مرض ، أو عسر ، أو غم ، أو هم أو نحوه . * ( فلا كاشف له إلا هو ، وإن يمسسك بخير ، فهو على كل شيء قدير ) * . فإذا كان وحده النافع الضار ، فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبودية والإلهية . * ( وهو القاهر فوق عباده ) * فلا يتصرف منهم متصرف ، ولا يتحرك متحرك ، ولا يسكن ساكن ، إلا بمشيئته . وليس للملوك وغيرهم ، الخروج عن ملكه وسلطانه ، بل هم مدبرون مقهورون . فإذا كان هو القاهر ، وغيره مقهور ، كان هو المستحق للعبادة . * ( وهو الحكيم ) * فيما أمر به ونهى ، وأثاب ، وعاقب ، وفيما خلق وقدر . * ( الخبير ) * المطلع على السرائر والضمائر ، وخفايا الأمور ، وهذا كله من أدلة التوحيد . * ( قل ) * لهم لما بينا لهم الهدى ، وأوضحنا لهم المسالك : * ( أي شيء أكبر شهادة ) * على هذا الأصل العظيم . * ( قل الله ) * أكبر شهادة ، فهو * ( شهيد بيني وبينكم ) * فلا أعظم منه شهادة ، ولا أكبر ، وهو يشهد لي بإقراره وفعله ، فيقرني على ما قلت لكم . كما قال تعالى : * ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) * . فالله حكيم قدير ، فلا يليق بحكمته وقدرته ، أن يقر كاذبا عليه ، زاعما أن الله أرسله ولم يرسله ، وأن الله أمره بدعوة الخلق ، ولم يأمره ، وأن الله أباح له دماء من خالفه ، وأموالهم ونساءهم ، وهو مع ذلك ، يصدقه بإقراره وبفعله ، فيؤيده على ما